اليمن بعد انسحاب السعودية: ما الذي سيتغيّر؟

0
39

يتزايد الضغط على المملكة العربية السعودية للانسحاب من اليمن. فقد أعلن البنتاغون في 9 نوفمبر أنّه سيتوقّف عن إعادة تزويد الطائرات السعودية التي تُجري عمليات في اليمن بالوقود جواً، في خطوة تُنهي الدعم الذي بدأ في عهد الرئيس أوباما في العام 2015، عندما بدأت الرياض حملة القصف للمرّة الأولى. وسار مجلس الشيوخ بعكس توجّه البيت الأبيض، الأسبوع الماضي، بعدما تمّ التصويت بـ63 صوتاً مقابل 37 لصالح التقدّم بقرار ينهي الدعم العسكري الأمريكي للحرب التي تقودها السعودية. ووَعدَ الديمقراطيون في مجلس النوّاب باستخدام أكثريّتهم الوشيكة لإنهاء الدعم الأمريكي للحرب السعودية. وحتّى الآن، لا يزال الرئيس نفسه غيرَ مقتنع ومخلصاً لأصدقائه السعوديين، لكنّ وزير الخارجية مايك بومبيو ووزير الدفاع جيمس ماتيس دعيا إلى وقف إطلاق النار، بما يوحي بأنّ موقف الإدارة الأمريكية حيال حرب اليمن ربّما يلين. 

لقد كانت الحملة السعودية كارثة ما بعدها كارثة بالنسبة إلى اليمن، إذ حوّلت وضع الحرب الأهلية في البلاد من سيّئ إلى مروّع. فالأزمة الإنسانية في اليمن هي الأسوأ في العالم، مع موت مئات الآلاف من الأشخاص ومواجهة الملايين شبح الأمراض والمجاعة. وعلى الرغم من أنّ الرياض قد منعت المتمرّدين الحوثيين المدعومين من إيران من ترسيخ قوتهم، إلا أنّ الحوثيين صمدوا وما زالوا يسيطرون على أجزاء كبيرة من البلاد.

إنّ انتهاء التدخل السعودي في اليمن أمرٌ قد آن حصوله. لكن حتّى لو حصل ذلك، لا تظنّنّ أنّ كابوس اليمن سيشارف على نهايته. فمن أجل أن يحقّق تغييرٌ في السياسة السعودية أكبر أثر ممكن، عليه أن يقترن بانسحاب أوسع للقوى الأجنبية وبوقف إطلاق النار بين الفصائل المتناحرة المتعدّدة في اليمن.

وسيشكّل إنهاء حملة القصف والحصار السعوديَّين إنجازاً بحدّ ذاته. فالغارات الجوية قتلت آلاف اليمنيين، بينهم الكثير من الأطفال. ودمّر القصف معظم البنية التحتية المهترئة أصلاً في اليمن، مما صعّب وصولَ الرعاية الطبية وتوزيعَ الأغذية. وبصورة أقل بروزاً لكن أكثر فتكاً، حال الحصار السعودي على مطار اليمن والكثير من موانئها (وقد فُرض بحجّة منع وصول الأسلحة الإيرانية إلى اليمن) دون وصول الأغذية والمساعدات الإنسانية إلى البلاد أيضاً، الأمر الذي فاقم تلك المجاعة الضخمة.

ومن الناحية الاستراتيجية، قد يفيد وضع حدّ للتدّخل السعودي حليفاً أساسياً للولايات المتحدة في المنطقة: المملكة العربية السعودية. فالرياض برّرت تدخّلها على أنّه وسيلة لمواجهة إيران ومحاربة الإرهاب وإعادة تأسيس حكومة مستقرّة في اليمن. لكن لا يزال الإرهابيون ناشطين في اليمن والاستقرارُ أبعد من أيّ وقت مضى. ولا يحظى عبد ربه منصور هادي، الرئيس اليمني المدعوم من المملكة العربية السعودية، بقاعدة نفوذ وبدعم شعبي كبير. ولعلّ الأهمّ من وجهة نظر الرياض هو أنّ موقع إيران في اليمن أقوى من ذي قبل. فقد زادت الحرب من اعتماد الحوثيين على إيران للحصول على الأسلحة والدعم المالي. بالإضافة إلى ذلك، بات الرأي العام العالمي ينظر إلى السعودية، وليس إيران، على أنّها المعتدي في هذا الصراع، ولهي سُمعة المملكة العربية السعودية التي تضرّرت نتيجة الكارثة المستمرّة هناك.

ومع ذلك، حتّى إذا تصرّفت المملكة العربية السعودية بعقلانية أو اضطُرّت إلى التصرّف بعقلانية، فإنّ إنهاء التدخّل ليس سوى بداية ما هو مطلوب. إذ ستبقى الإمارات العربية المتحدة مشاركةً عسكرياً في القتال ضد الحوثيين، وهي لاعب ناشط أكثر من المملكة العربية السعودية على الأرض في اليمن. وستستمرّ الجهات الفاعلة المحلّية في القتال: فالبلاد تعاني انقساماً حادّاً والفصائل الرئيسية تعاني انقسامات بدورها. فاليمن اليوم دولةٌ فاشلة، وما من قيادة سياسية مقبولة لإصلاح هذا الوضع. ويُعتبر الحوثيون، حلفاء إيران، الأقوى بين الفصائل، وهم همجيّون وسلطويون ومرتبطون بطهران. وستظلّ المجموعات الإرهابية مثل القاعدة في شبه الجزيرة العربية ناشطة، محاولةً ترسيخ نفسها في أيّ منطقة تفتقر إلى منافس قوي لها. وقد يكون الأمر الأهمّ من وجهة نظر الرياض أنّ طهران قادرة على إعلان انتصارها على منافسها الدائم. وعلى الرغم من أنّ اعتماد الحوثيين على إيران سيتراجع أيضاً، سيستمرّ التحالف على الأرجح، وسيكون لإيران تأثيرٌ في حدود أخرى من حدود المملكة العربية السعودية. وسيعترف ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، الذي أيّد الحرب على اليمن، بفشل تدخّله.

بهدف تحسين الوضعَين الاستراتيجي والإنساني على حدّ سواء، ينبغي أن يشكّل أيّ تراجع في الحملة العسكرية السعودية القوة الدافعة لتدابير أشمل من أجل إنهاء الحرب والحدّ من المعاناة. والأهمّ من ذلك أنّه ينبغي الضغط على إيران والإمارات العربية المتحدة لإنهاء مشاركتهما. طبعاً، لن تخمد نيران اليمن إذا توقفت الجهات الخارجية عن إيقادها، ولكنّها ستتضاءل. وفي محاولة لاغتنام الفرصة، يحاول مبعوث الأمم المتحدة مارتن غريفيث حالياً العمل على تطبيق وقفٍ لإطلاق النار والحرص على فتح ميناء الحديدة المهمّ في اليمن أمام المساعدات الدولية لدخول البلاد. ويجهد غريفيث أيضاً لإقامة حوار أوسع، وتعبّر الأطراف الرئيسية في الصراع عن استعدادها للتفاوض، وهي رغبة قد تزداد إذا تحرّكت الرياض باتجاه إنهاء حملة القصف وأشكال التدخّل الأخرى.

وينبغي على الولايات المتحدة الاستمرار في مساعدة المملكة العربية السعودية في دفاعها الإقليمي ضد أيّ صواريخ حوثية. بالإضافة إلى ذلك، السعوديون قادرون بشكل موثوق أكثر على تحميل إيران مسؤولية الهجمات الصاروخية الحوثية على المملكة بعد الانسحاب إذا كانت واشنطن تدعمها، لذا يشكّل دعم الولايات المتحدة للردع أمراً حيوياً. وبما أنّ المجموعات الإرهابية تبقى مصدر قلق، على الولايات المتحدة أيضاً مواصلة عمليات مكافحة الإرهاب في اليمن. وينبغي استكمال كلّ ذلك بجهد إنساني سريع وضخم لإبعاد شبح المجاعة عن اليمنيين. ويُعدّ وضع حدّ للتدخّل السعودي خطوةَ أولى جيدة لإنهاء هذه المعاناة، إلا أنّه لن يكون كافياً بحدّ ذاته.

LEAVE A REPLY

Please enter your comment!
Please enter your name here